تاريخ الدين البهائي في العراق

إشراقة البدايات في "دار السلام"

في 12 كانون الثاني/يناير 1853، بدأت رحلة نفي حضرة بهاء الله من مسقط رأسه في إيران إلى المنطقة العربية، في رحلة استمرت 40 عاماً، كان العراق أولى محطاتها وأغلاها على قلبه.

في 8 نيسان/أبريل 1853 (الموافق 28 جمادى الآخرة 1269 هـ)، أشرقت بغداد بقدوم حضرة بهاء الله. سكن في البداية بضاحية الكاظمية العريقة، ثم انتقل إلى أحياء بغداد القديمة قرب ضفاف نهر دجلة الخالد. في هذه المدينة التي عُرفت تاريخياً بـ “دار السلام”، والتي أسماها حضرته “مدينة الله”، أقام لسنوات طوال تفاعل خلالها بحب مع أهلها، وظل فيها حتى نفيه لاحقاً إلى الآستانة (إسطنبول)، باستثناء سنتين قضاهما معتكفاً في جبال كردستان.

الاعتكاف في جبال كردستان (مرحلة التأمل والروحانية)

في 10 نيسان/أبريل 1854، توجّه حضرة بهاء الله إلى جبال كردستان حيث عاش حياة الزهد والتأمل لمدة عامين، متقرباً إلى الله تعالى بكل خشوع. وكما هو الحال في سير أصحاب الرسالات السماوية، حيث تتخلل حياتهم فترات من العزلة والاعتكاف استعداداً لحمل الأمانة الإلهية—كاعتكاف حضرة موسى (عليه السلام) في جبل سيناء، وخلوة حضرة عيسى (عليه السلام) في الصحراء، واعتكاف حضرة محمد (صلى الله عليه وسلم) في غار حراء—فقد أمضى حضرة بهاء الله هذه الفترة في مناجاة خالقه.

سرعان ما ذاع صيته في تلك الأصقاع، وعُرف بين أهلها باسم “الدرويش محمد”. وصل خبره إلى الشيخ إسماعيل (قطب الطريقة الخالدية في السليمانية)، الذي التمس منه النزول من الجبال والإقامة في السليمانية، فلبّى حضرته الدعوة. وخلال تلك الفترة، توطدت علاقته بشخصيات دينية واجتماعية بارزة، أمثال الشيخ عثمان (شيخ الطريقة النقشبندية) والشيخ عبد الرحمن (شيخ الطريقة القادرية)، الذين تأثروا بعلمه وروحانيته العميقة. ونتيجة لانتشار صيته، علم أصحابه في بغداد بمكانه و ناشدوه العودة، فاستجاب لهم منهياً فترة اعتكافه.

العودة إلى بغداد وتعميق أواصر التعايش

 في 19 آذار/مارس 1856، عاد حضرة بهاء الله إلى بغداد ليجتمع مجدداً بعائلته وأحبائه، وامتدت سمعته الطيبة في جميع أرجاء المنطقة. عاش حضرته في بغداد وسط بيئة اجتماعية ودينية غنية بالثقافات، وكان يخرج للتمشية على ضفاف نهر دجلة ويتردد على المقاهي البغدادية، حيث تمازجت أفكاره الروحية الداعية للمحبة والسلام مع نسيج المجتمع العراقي الأصيل.

وقد أُعجب بشخصيته كبار رجال الدين والمفكرين في المدينة، ومنهم مفتي بغداد الشهير ابن الآلوسي، والشيخ عبد السلام، والشيخ عبد القادر، والسيد الداودي. كما تأثر به تدريجياً بعض رجال الدولة آنذاك، وفي طليعتهم عبد الله باشا ونائبه محمود آقا والمُلا علي مردان الكردي. وكان حضرته يتردد على الأماكن المقدسة في العراق، مما أتاح له التواجد في فضاءات دينية واجتماعية جامعة.

رغم تنوع الخلفيات والمناصب، وجدت رسالة حضرة بهاء الله صدىً واسعاً في وسط الحوار الاجتماعي والثقافي العراقي. وأصبح منزله في بغداد مقصداً للزوار من العرب والكرد والترك، ومن المسلمين والمسيحيين واليهود، في لوحة جسدت أبهى صور التعايش والتلاحم المجتمعي. وقد شُرّفت أرض بغداد بنزول العديد من الألواح والآثار الكتابية من يراع حضرة بهاء الله، أبرزها كتاب “الكلمات المكنونة”، و”الوديان السبعة”، و”كتاب الإيقان”. وتؤكد هذه الكتابات أن الأديان جميعها تستقي من حقيقة إلهية واحدة، وترتبط ببعضها بأصل مشترك، وتهدف في جوهرها إلى بناء مجتمع إنساني مترابط.

بالإمكان الإطلاع على بعض من الكتب التي أنزلها حضرة بهاء الله من خلال زيارة مكتبة المراجع البهائية انقر هنا

إعلان الدعوة ومغادرة العراق

إعلان الدعوة: تُوّجت هذه الفترة بإعلان دعوته في حديقة الرضوان (والمعروفة بحديقة النجيبية، وهي حالياً الأرض التي شُيدت عليها مدينة الطب في العاصمة بغداد) بأنه رسول هذا الزمان، وذلك في 21 نيسان/أبريل 1863. وكانت رسالته دعوة عالمية لجميع أبناء الجنس البشري للعمل على بناء مجتمع مزدهر يقوم على أساس “الوحدة في التنوع”. ونظراً للأعداد الغفيرة التي توافدت للاحتفاء بهذا الإعلان وتوديع حضرته لما لشخصيته الفذة من تأثير عميق، نُصبت العديد من الخيام في الحديقة لاستقبال هذه الوفود والمحبين. وكان من أبرز المودعين السيد نامق باشا، والي بغداد، الذي أعرب عن أسفه البالغ لرحيل حضرة بهاء الله إلى الآستانة (والذي جاء بطلب من الحكومة العثمانية). ومما أدهش سلطات بغداد هو عدم اعتراض حضرة بهاء الله على قرار الإبعاد، انطلاقاً من المبدأ البهائي الراسخ بوجوب إطاعة الحكومات. أقام حضرته في حديقة الرضوان لمدة 12 يوماً، وهي الأيام التي يحتفل بها البهائيون حول العالم في كل سنة وتُسمى بـ “عيد الرضوان”.

رحلة مغادرة العراق

غادر حضرة بهاء الله منطقة الفريجات في أولى مراحل سفره مع 26 من أصحابه وأهل بيته، وسط حشود جماهيرية ودّعته بكل ولاء وإخلاص وبنفس المهابة والعظمة التي خرج بها من بيته في بغداد. وفي طريقه، مرّ بمدن عراقية عريقة مثل كركوك، وأربيل، والموصل، حيث مكث فيها مدة ثلاثة أيام. وكانت الوفود تلو الوفود تأتي لوداعه والتعبير عن التقدير والإجلال، في مشهد ذكّره بالحب الكبير الذي أظهره له أهالي بغداد.

البهائيون في ظل الدولة العراقية

ساهم البهائيون العراقيون، كسائر أبناء الوطن، في بناء الدولة العراقية وتأسيسها من خلال جهودهم الخدمية المخلصة في مختلف الميادين. (بالإمكان التعرف أكثر على مساهماتهم في خدمة مجتمعهم عبر زيارة صفحة: شخصيات عراقية بهائية)

من الناحية القانونية، وكامتداد للاعتراف المجتمعي والرسمي التاريخي بحضرة بهاء الله، حرصت الحكومة العراقية عند تأسيسها على احتضان جميع مكونات البلد ومن ضمنها الطائفة البهائية، باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من أبناء الوطن. وقد تجلى ذلك بوضوح في “بيان المحاكم رقم 6” الصادر في 28/12/1917، حيث اعترفت المواد (13، 16، 17) بالطوائف الدينية غير المسلمة في العراق ومن ضمنها الطائفة البهائية. ودأب القضاء العراقي على إحالة قضايا الأحوال الشخصية للطوائف غير المسلمة إلى محكمة البداءة (المواد الشخصية).

ومع صدور الدستور العراقي عام 1925، تعزز هذا الاتجاه الوطني حيث كفل الدستور صراحة حرية الأديان والعقائد الدينية. خلال هذه الفترة، استكمل البهائيون في العراق تأسيس مؤسساتهم الإدارية، واتخذوا مقراً رسمياً وعلنياً في محلة “الحيدرخانة” ببغداد، حيث أقاموا فيه شعائرهم الدينية، ونظموا فعالياتهم الاجتماعية لإدارة شؤونهم. وفي عام 1931، وبعد صدور قانون الجمعيات والنقابات، قدم البهائيون وثيقة إلى وزارة الداخلية أسموها “دستور الجامعة البهائية في العراق”. كما تم ذكر البهائيين بشكل رسمي في الدليل الرسمي العراقي الصادر عن وزارة الداخلية عام 1936. وفي أواخر الثلاثينيات، تم تشييد المبنى الرسمي البهائي في بغداد واستحصال الإجازات الرسمية لبنائه، بعد أن تقادم وتهدم المبنى القديم في الحيدرخانة.

ولم يتوانَ البهائيون يوماً عن تعزيز أواصر اللحمة الوطنية؛ فكانوا يشاركون الحكومة العراقية وأبناء شعبهم كافة المناسبات والأعياد الدينية والوطنية نيابة عن الجامعة البهائية في العراق. شمل ذلك الحضور في البلاط الملكي ومجلس الوزراء، أو عبر الإذاعة العراقية. وفي مشهد يعكس الطبيعة الوطنية الصادقة للمجتمع البهائي، بادر المحفل الروحاني المركزي بكامل أعضائه لتقديم التعازي لجلالة الملك فيصل الثاني والحكومة إثر وفاة الملكة عالية، ووضعوا إكليلاً من الورد على ضريحها تعبيراً عن التلاحم الوطني.

 

مسيرة مستمرة من أجل السلم والرخاء

في مرحلة ما بعد عام 2003، وفي ضوء الدستور العراقي الجديد الذي ينص في المادة (39) على أن “العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية، وحسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون”، إلى جانب المادتين (40) و(41)؛ سارع البهائيون إلى إعادة بناء مؤسساتهم الإدارية وتفعيل دورهم المجتمعي.

انخرط البهائيون بفاعلية في العديد من الأنشطة الحكومية، وشبه الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني. وهي أنشطة تسعى في مجملها إلى بناء عراق قوي، متلاحم، وخالٍ من التعصبات الدينية والإثنية والعرقية؛ عراقٌ يقدّر حرية العقيدة كركيزة أساسية لإحياء وحدة المجتمع التي تضرب بجذورها في أعماق ثقافة هذا البلد منذ أقدم العصور.

لقد كان وما زال الهدف الأسمى للبهائيين العراقيين هو تعزيز السلم المجتمعي وتحقيق رخاء وسعادة العباد. وهم يسعون، متكاتفين مع الجميع، لخير وصلاح عراقنا الحبيب. وحالياً، كان لهم شرف المساهمة والمشاركة في فضاءات حوارية مختلفة تُعنى بالتعايش السلمي، ومساواة المرأة والرجل، ودور الدين في بناء المجتمع. ومثلهم مثل سائر المخلصين الذين شاركوا في بناء الوطن، تتركز طبيعة مشاركاتهم على الحوار البنّاء والعمل المشترك في هذه المجالات الحيوية.

(للتعرف أكثر على مساهمات البهائيين في الحوارات المؤثرة في المجتمع العراقي، بالإمكان زيارة الصفحة أدناه: [أضف الرابط هنا])

اذا رغبت التعرف أكثر على رسالة حضرة بهاء الله