شخصيات عراقية بهائية

تأسست الديانة البهائية في القرن التاسع عشر. حضرة بهاء الله هو رسول الدين البهائي والذي كُلِفَ بوحي من عند الله بإيصال رسالته إلى جميع البشرية في العصر الحالي. كما يعترف البهائيون بأن حضرة الباب رسولاً ملهمًا آخر، كانت غايته إعداد البشرية لمجيء حضرة بهاءالله. يُعتبر كلا منهما رُسلاً سماوية، كحضرة موسى، وحضرة عيسى وحضرة محمد عليهم السلام، يرسلهم الله إلى الإنسانية لكشف إرادته وهدفه وان البشر على اختلافهم متساوون . وان نشأة الدين البهائي كانت من خلال رسالة أوكلها الله إلى مبعوثين إلهيين هما حضرة الباب وحضرة بهاء الله.

الدكتور عباس البغدادي

رحلة علم وعطاء

وُلِد في بغداد عام 1915، وأكمل دراسته الثانوية في الثانوية المركزية للبنين في بغداد. حصل بعد ذلك على بعثة من الحكومة العراقية إلى ألمانيا لدراسة الجيولوجيا، حيث نال شهادة البكالوريوس ثم الدكتوراه في هذا الاختصاص. وعند عودته، كرّس علمه وجهده لخدمة مجتمعه من خلال عمله في وزارة الاقتصاد. وفي عام 1960 أوفدته الحكومة مرة أخرى إلى خارج العراق لمواصلة دراسته في المجال نفسه، حيث حصل على لقب بروفيسور في تخصص الجيولوجيا.

بعد عودته، انتقل للعمل في وزارة التعليم العالي، مؤمناً بأن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان. أسهم بإخلاص وتفانٍ في تطوير التعليم الأكاديمي، فعُيّن رئيسًا لقسم الجيولوجيا في كلية العلوم – جامعة بغداد، حيث تميّز بعلميته العميقة وروحه المتعاونة، وكان مثالًا في العطاء والإخلاص. لم يكتفِ بمهامه الإدارية والعلمية، بل انغمس في دعم زملائه وطلابه، وسعى دائمًا إلى توفير بيئة محفزة على البحث والمعرفة وكان مثال للشخص القيادي مع حرصه على إشراك الجميع في العمل وبدون تمييز، ليترك بصمة مؤثرة في مسيرة التعليم الجامعي في العراق.

الدكتور جميل البغدادي

من قاعات الطب إلى خدمة المجتمع : سيرة حياة

وُلد في بغداد عام 1913، في زمنٍ كانت فيه المدينة تنبض بالحياة بين أسواقها العتيقة ونهرها الهادئ، تجمع بين روح التاريخ العريق ونبض الحياة اليومية لأهلها. أكمل دراسته المتوسطة والثانوية في بغداد بتفوّق، وحصل على معدلٍ جيد جدًا أهّله للالتحاق بكلية الطب الملكية عام 1932 ، ضمن الدورة الثانية لتلك الكلية الفتية. بعد سنوات من الجد والاجتهاد، تخرّج طبيبًا شابًا يحمل طموحًا كبيرًا في النهوض بالقطاع الطبي في العراق، مؤمنًا بأن مهنته ليست مجرد عمل، بل رسالة إنسانية لخدمة أبناء وطنه. استُدعي لأداء خدمة العلم برتبة ملازم، وكان ذلك جزءًا من التزام البهائيين بواجبهم الوطني وطاعتهم للحكومات و حبهم لأوطانهم. وبعد إنهاء واجبه العسكري، اختار أن يبدأ مسيرته في القرى والأقضية، متنقّلًا بين العمارة وقضاء الهاشمية في بابل، قريبًا من الناس وملامسًا لمعاناتهم . في عام 1943، عُرض عليه منصب إدارة دائرة الطب العدلي في بغداد، لكنه فضّل أن يكون قريبًا من المريض، فطلب نقله إلى المستشفى الملكي في كركوك. هناك، تجاوز حدود عمله الروتيني ليشارك في الحملات الوطنية، وكان أبرزها الحملة الكبرى الأولى لمكافحة الطاعون، حيث وقف مع زملائه في الصفوف الأولى حتى تُوّجت جهودهم بالنجاح، فنال كتاب شكر من الحكومة العراقية تقديرًا لعطائه .

وعلى مدار سنوات، تولّى مناصب مهمة: مدير المستشفى الملكي في كركوك، مفتش دائرة الأمراض المستوطنة في المنطقة الشمالية، رئيس اللجنة الطبية الدائمة، ومسؤول الردهة الباطنية في المستشفى الجمهوري. وفي كل هذه المواقع، جسّد إيمانه العميق بوجوب خدمة الناس على اختلاف خلفياتهم الدينية أو القومية أو الثقافية، فكان طبيبًا يُنصت قبل أن يُشخّص، ويُداوي بروح العطاء قبل وصف الدواء ..

في عام 1967، وبعد عقودٍ من الخدمة، أُحيل إلى التقاعد، لكنه لم يتوقف عن رسالته، ففتح عيادته الخاصة في كركوك، حيث عُرف بإنسانيته ورعايته لمرضاه، مُقدّرًا لظروفهم المادية، ومعالجًا إياهم دون تفرقة أو محاباة. ورغم تقدمه في السن وجسمه المتعب واصل خدمة المرضى بإخلاص حتى وافته المنية في بغداد عام 1987، تاركًا خلفه سيرة طبيبٍ لم يبحث عن مجدٍ شخصي، بل عاش حياته باحثًا عن شفاء الآخرين، وحاملًا في قلبه رسالة حبٍّ وإنسانية لا تعرف حدودًا.

السيدة أنيسة عباس ذكرية

قلب نابض بالعطاء

وُلدت السيدة أنيسة عام 1929 لأسرةٍ عُرفت بالمحبة وخدمة الآخرين. وفي عام 1943، تزوجت وانتقلت مع زوجها للعيش في الموصل، ثم إلى النجف والحلة، حيث التحقت بدورة خاصة في التمريض، مدفوعةً بإيمانها بأن خدمة الناس واجب إنساني ورسالة نبيلة، تسير جنبًا إلى جنب مع دورها في بناء أسرتها.

انتقلت العائلة لاحقًا إلى محافظة ديالى، وتحديدًا ناحية أبو صيدا، وهناك أصبح بيتها عنوانًا للضيافة والكرم، مفتوحًا للجميع دون استثناء. لم يكن بيتها مجرد مأوى، بل مساحة مفعمة بالمحبة والرعاية، حيث استقبلت الأطباء والممرضين، وخصوصًا الطبيبات الشابات، اللواتي وجدن في منزلها دفئًا وحنانًا عوّضهن عن بُعد الأهل. وبفضل علاقاتها الوثيقة بالكوادر الطبية، سعت دائمًا لتعزيز التعاون مع المستشفى المحلي لضمان أفضل رعاية ممكنة للمرضى.

 

كرّست السيدة أنيسة حياتها للعمل في التمريض، وخاصة في مجال التوليد، حيث لم تتوانَ يومًا عن مساعدة أي امرأة محتاجة، رافضةً أن تتقاضى أي أجر مقابل خدمتها. وإذا قدّم لها بعض الأهالي البسطاء شيئًا من خيرات أرضهم – فواكه، خضروات أو منتجات منزلية – كانت تستقبله بامتنان ورضا، معتبرة ذلك عربون محبة أكثر من كونه مقابلًا ماديًا. في المجتمع المحلي، لم تكن تُعرف إلا بلقبها المحبّب “الجدة أم نبيل”، وهو اسم ارتبط بالثقة والرحمة والطيبة. على مدار سنوات طويلة، رافقت نساء المنطقة في أهم لحظاتهم الحياتية، واحتضنت بعملها قلوبًا قبل أن تلمس أيديها الأجساد.

وفي عام 1992، رحلت السيدة أنيسة عن الدنيا، تاركةً ذكرى عطرة وسيرة إنسانية خالدة ترويها كل أسرة اختبرت معنى العطاء بلا حدود.

سهيل عبد الرزاق عباس

الموسيقى رسالة… وحياة في خدمة الفن والإنسان

وُلد في بغداد عام 1929، ونشأ في أزقتها الهادئة في ناحية الأعظمية، حيث أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية. منذ طفولته، كان في داخله صوت خفي يناديه… صوت الأوتار و المفاتيح الموسيقية. لم تكن الموسيقى بالنسبة له مجرد هواية، بل إيمانًا راسخًا بأن الفن لغة تخاطب الروح، ورسالة إنسانية عليا يمكن أن تدفع باتجاه السلام والسكينة.

بعد إنهاء الثانوية، بدأ يتعلّم اللغة الفرنسية وهو يدرك أن هذه اللغة ستكون جسرًا يوصله إلى باريس، عاصمة الفن والموسيقى. وفي عام 1949، حمل حلمه وسافر إليها، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا حيث انغمس في دراسة البيانو والتعلّم على أيدي كبار الأساتذة، مدفوعًا بشغف لا يعرف الكلل ولا يهدأ له بال.

عاد إلى العراق عام 1967، يحمل في قلبه وفكره علمًا وفنًا أراد أن يقدّمه للأجيال، مؤمنًا بأن الموسيقى يمكن أن تكون مساهمة فعّالة في بناء الوطن ورقيّه. عمل أكاديميًا بارزًا في كلية الفنون الجميلة، ومعهد الفنون الجميلة، ومعهد الدراسات الموسيقية، وأخيرًا في مدرسة الموسيقى والباليه.

لم يكن مجرد أستاذ يدرّس النوتات، بل كان ملهمًا يغرس في طلابه حبّ الفن، ويزرع في قلوبهم تقدير الموسيقى كقيمة إنسانية. كان طلابه يجدون في محاضراته مزيجًا من المعرفة العميقة والروح المفعمة بالعاطفة، ويتشوّقون لسماع عزفه وحديثه عن الفن، إذ كان يُعاملهم كأبٍ وصديق قبل أن يكون أستاذًا. كثير منهم ظلّ يذكره كقدوة في الإخلاص للفن والرسالة.

وبعد رحلة عمر حافلة بالعطاء، رحل عن الدنيا عام 2008، تاركًا إرثًا موسيقيًا عريقًا وذكريات حيّة في قلوب كل من عرفه أو تتلمذ على يديه، ليبقى صوته وعزفه شاهدين على أن الفن قد يكون أجمل أشكال الخدمة الإنسانية.

الحاج احمد حمدي

الحاج أحمد حمدي: نموذج في العلم والعمل والخدمة المجتمعية

يُعد الحاج أحمد حمدي من كبار أعيان وشيوخ البصرة في القرن التاسع عشر، وقد جمع بين العلم والتجارة والعمل الخيري، فضلاً عن مساهماته في الإصلاح الاجتماعي. وُلِد عام 1882  وكان والده رحمه الله من علماء أهل السنة، ومرجع الشافعية بالخليج العربي، وقد ورث مكتبة والده في صغره وفيها ما يقارب 5000 مجلد وكتاب، ما ساهم في تنمية حبه للقراءة والبحث. أجاد الشيخ خمس لغات: العربية، الإنجليزية، التركية، الفارسية، والأوردو، مما جعله مصدر إشعاع فكري وثقافي في مجتمعه.

له مؤلفات عديدة في مجالات مثل الفيزياء والفلك والعلوم الإنسانية، ومنها كتاب التبيان والبرهان بجزئين الأول والثاني ، الدليل والإرشاد في لقاء رب العباد ، بلغ عددها نحو ستة مؤلفات بالإضافة الى عدد كبير من المراسلات، ساهمت هذه المؤلفات في نشر المعرفة، وبناء الوعي، وتعزيز التقدم الفكري والاجتماعي في البصرة والعراق عمومًا. إدراكًا منه لأهمية التعليم في تحقيق الازدهار، كان للحاج مبادرات تعليمية متميزة، من أبرزها تأسيس أول مدرسة إعدادية مركزية في البصرة (1920–1925م)، وجمع التبرعات بالتعاون مع وجهاء المدينة، لتصبح المدرسة من أهم الصروح التعليمية في العراق والخليج العربي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أسس الشيخ تجارة واسعة في التمور والكتب، ثم توسع إلى استيراد المحركات والمضخات والآلات الزراعية من الهند وبريطانيا. كما كان وكيلاً عامًا لشركة “روبسن” البريطانية في العراق والخليج، ما ساعد على إدخال التكنولوجيا الحديثة للمنطقة، مؤكدًا أن العمل المخلص يرتبط بالمعايير الأخلاقية العالية وخدمة المجتمع.

في المجال الاجتماعي، كان الشيخ معروفًا برجاحة عقله، ومشاركًا فاعلًا في حل النزاعات، ومرجعًا في الحكمة والبيان. كما برز في أعماله الخيرية، فكان كريمًا في دعم المحتاجين، حيث وزّع التمور من بساتينه سنويًا على العائلات الفقيرة. وعُرِف الحاج بعطائه، وكرمه على الفقراء، والبسطاء، وبتبرّعاته السخيّة للجميع، وكان رحمه الله لا يتكلّم عن الخدمات التي يقدّمها بتاتًا، وكان يقول دومًا: إنّ اليد اليسار يجب ألّا تعلم عمّا أنفقت يمينك، فكان يتبرع بسرّية تامة، حتى أفراد عائلته لم يكونوا على علم به، فكان رحمه الله في عطائه كما يصف حضرة شوقي أفندي صفة الكرم والعطاء في بيانه : يجب أن نكون كعين الماء الجارية، أو الينبوع الذي يفرغ نفسه باستمرار من كل ما فيه، ويمتلئ من جديد من مصدرٍ خفيٍ. 

 

وافاه الأجل عام 1971 ، بعد تسعة عقود حافلة بالعلم والعمل الخيري والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، تاركًا أثرًا خالدًا في المجتمع البصري والعراقي، وسيرة نموذجية في المساهمة الفردية الفاعلة والبناءة.

اذا رغبت التعرف أكثر على مساهمات بهائيو العراق في التعاون من أجل بناء مجتمع عراقي أفضل